علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
472
شرح جمل الزجاجي
لم يرد : متى تنطق بهذا ؟ وإنّما يريد : متى تدني القلص الرواسم أمّ قاسم وقاسما فيما تظنّ أو تقدّر ؟ فثبت أن المعنى إذن على الظن . ويكون القول مجردا من معنى الظن عند جميع العرب من غير شرط . فممّا أجري القول فيه مجرى الظن ففتحت فيه " أنّ " قوله : إذا قلت أنّي آيب أهل بلدة ( 1 ) * . . . . . . . . . . البيت ومما لم يجر فيه القول مجرى الظن فكسرت فيه " إنّ " قوله تعالى : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ ( 2 ) . وتقول : " أولّ ما أقول : إني أحمد اللّه " ، بفتح إنّ وكسرها . فإذا فتحت كانت " ما " مصدرية كأنك قلت : أوّل قولي حمد اللّه . والقول هو الحمد في المعنى ، كأنه قال : كلّ قول أقوله فأوّله حمد اللّه تعالى . فإذا أراد المتكلم هذا المعنى أعني أنّ كلّ قول يقوله فلا بدّ أن يتقدّمه حمد اللّه ، فإنّه يفتح ولا يتصوّر أن تكون " ما " في هذا الوجه بمنزلة " الذي " ، وتكون واقعة على اللفظ المقول كأنه قال : أوّل الألفاظ التي أقولها حمد اللّه ، لأنّ حمد اللّه ليس من قبيل الألفاظ فكيف يتصوّر أن يكون الخبر ليس المخبر عنه في المعنى ولا هو منزّل منزلته وهو مفرد ؟ فإن كسرت فإنّه لا يخلو أن تجعلها مع اسمها في موضع خبر المبتدأ الذي هو أول ، أو تجعلها في موضع مفعول القول . فإن جعلتها في موضع الخبر كانت " ما " بمنزلة الذي وتكون واقعة على اللفظ المقول ، فكأنّه قال : أوّل الألفاظ التي أتكلّم بها إنّي أحمد اللّه ، فيكون المتكلم على هذا قد زعم أن كل كلام يتكلم به فإنّ أوله هذا اللفظ الذي هو إنّي أحمد اللّه . وكأنّ هذا المعنى بعيد لأنّه ليس من عادة الناس في مخاطبتهم أن يبدأوا بهذا اللفظ ، فيقولوا : إنّي أحمد اللّه ، ثم يأتوا بعد ذلك من الكلام بالذي يريدونه ، ولا يبطل هذا الوجه بأن يقال : يلزم فيه فتح " إنّ " لأنّها في موضع خبر المبتدأ ، لأنّ خبر المبتدأ في الأصل إنّما ينبغي أن يكون مفردا ، لأنّا إنّما نعني بأنّها تفتح إذا وقعت في موضع المفرد ، أن تكون في موضع تتقدّر فيه بالمصدر ، وهي هنا لا تتقدّر به ، فلذلك كسرت .
--> ( 1 ) تقدم بالرقم 320 . ( 2 ) آل عمران : 42 .